ابن رشد
191
تهافت التهافت
فالمركب قديم ، وإذا كان هذا هكذا فليس يصح أن يجوز مجوز وجود مركب قديم أن يتبين على طريق الأشعرية إن كل جسم محدث ، لأنه إن وجد مركب قديم وجدت أعراض قديمة : أحدها التركيب ، لأن أصل ما يبنون عليه وجوب حدوث الأعراض أنه لا تكون الأجزاء التي تركب منها الجسم عندهم إلا بعد افتراق ، فإذا جوزوا مركبا قديما أمكن أن يوجد اجتماع لم يتقدمه افتراق وحركة لم يتقدمها سكون ، فإذا جاز هذا أمكن أن يوجد جسم ذو أعراض قديمة ولم يصح لهم أن ما لا يخلو عن الحوادث حادث . وأيضا قد قيل : إن كل مركب إنما يكون واحدا من قبل وحدة موجودة فيه ، وتلك الوحدة إنما توجد فيه من قبل شيء هو واحد بذاته ، وإذا كان ذلك كذلك فالواحد بما هو واحد متقدم على كل مركب ، وهذا الفاعل الواحد إن كان أزليا ففعله الذي هو إفادة جميع الموجودات الوحدات التي بها صارت موجودة واحدة هو فعل دائم أزلي لا في وقت دون وقت ، فإن الفاعل الذي يتعلق فعله بالمفعول في حين خروجه من القوة إلى الفعل هو فاعل محدث ضرورة ومفعوله محدث ضرورة ، وأما الفاعل الأول ففيه تعلق بالمفعول على الدوام والمفعول تشوبه القوة على الدوام ، فعلى هذا ينبغي أن يفهم الأمر في الأول سبحانه مع جميع الموجودات . وهذه الأشياء إذ لا يمكن أن تتبين في هذا الموضع فلنضرب عنها إذ كان الغرض إنما هو أن نبين أن ما يحتوي عليه هذا الكتاب من الأقاويل هي أقاويل غير برهانية وأكثرها سفسطانية ، وأعلى مراتبها أن تكون جدلية ، فإن الأقاويل البرهانية قليلة جدا وهي من الأقاويل بمنزلة الذهب الأبريز من سائر سائر المعادن ، والدر الخالص من سائر الجواهر ، فلنرجع إلى ما كنا فيه . قال أبو حامد : وكل مسالكهم في هذه المسألة تخييلات : ثم إنهم لا يقدرون على رد جميع ما يثبتونه إلى نفس الذات فإنهم أثبتوا كونه عالما ويلزمهم أن يكون ذلك زائدا على مجرد الوجود فيقال لهم أتسلمون أن الأول يعلم غير ذاته ومنهم من سلم ذلك ومنهم من قال لا يعلم إلا ذاته . فأما الأول : فهو الذي اختاره ابن سينا ، فإنه يزعم أنه يعلم الأشياء كلها بنوع كلي لا يدخل تحت الزمان ولا يعلم الجزئيات التي يوجب تجدد الإحاطة بها تغيرا في ذات العالم . فنقول علم الأول بوجود كل الأنواع والأجناس التي لا نهاية لها عين علمه بنفسه أو غيره ، فإن قلتم : إنه غيره فقد أثبتم كثرة ونقضتم القاعدة وإن قلتم أنه عينه لم تتميزوا عن من يدعي أن